يرى الباحث دانيال زغبي أن أخطر تهديد يواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يتمثل في الحروب أو الإرهاب، بل في الأمراض غير السارية المرتبطة بنمط الحياة، وعلى رأسها أمراض القلب والسكري. ويؤكد أن هذه الأمراض تحصد أرواحًا تفوق بكثير ضحايا النزاعات المسلحة، بينما تستمر في التوسع بصمت داخل المجتمعات والأسر.
وأشار موقع أتلانتيك كآونسل في تقرير تحليلي إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية تودي بحياة نحو 1.4 مليون شخص سنويًا في المنطقة، بينما يضيف السكري مئات الآلاف من الوفيات الأخرى. وتشكل الأمراض غير السارية، بما فيها السكتات الدماغية والاضطرابات النفسية، ما يقرب من ثلاثة أرباع الوفيات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يجعلها التحدي الصحي الأكبر أمام حكومات المنطقة.
الأمراض المزمنة تهدد الاستقرار الاجتماعي
يطرح الكاتب رؤية مختلفة لفهم انتشار هذه الأمراض، إذ يرى أن مسبباتها الرئيسية، مثل الأنظمة الغذائية غير الصحية والخمول البدني، تنتقل اجتماعيًا عبر العائلات والأصدقاء ووسائل التواصل الحديثة، بطريقة تشبه انتقال العدوى في الأمراض المعدية. ولذلك يدعو إلى التعامل مع هذه الأزمة باعتبارها قضية تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا واسع النطاق، يشمل الرصد المبكر والوقاية والتوعية وتحسين الرعاية الصحية.
ويحذر من أن تجاهل الأزمة سيؤدي إلى آثار اقتصادية واجتماعية ضخمة خلال العقود المقبلة. فالتقديرات تشير إلى أن السكري وحده قد يفرض تكاليف سنوية هائلة على اقتصادات المنطقة بحلول منتصف القرن. ولا تقتصر الخسائر على النفقات الصحية، بل تمتد إلى انخفاض الإنتاجية وتراجع فرص التنمية وازدياد الأعباء على الأسر والدول.
ويربط الكاتب بين تدهور الصحة العامة وتصاعد حالة السخط الاجتماعي التي شهدتها بعض دول المنطقة خلال العقود الماضية. فرغم تحسن مؤشرات التنمية في بعض المجالات، حمّل كثير من المواطنين حكوماتهم مسؤولية الوفيات والأمراض التي كان يمكن الحد منها عبر سياسات صحية أكثر فاعلية. كما أظهرت استطلاعات الرأي التي سبقت احتجاجات الربيع العربي أن الرعاية الصحية جاءت ضمن أبرز القضايا التي شغلت المواطنين.
عبء اقتصادي يثقل كاهل الأسر والشباب
تنعكس آثار الأمراض المزمنة بصورة مباشرة على الأسر، إذ تتطلب الوقاية منها تغييرات بسيطة نسبيًا في السلوك الغذائي والنشاط البدني، بينما تفرض الإصابة بها أعباء طويلة الأمد تشمل الأدوية والمتابعة الطبية والرعاية المستمرة. وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب وجود ملايين الأشخاص الذين لا يعلمون بإصابتهم بالسكري أو غيره من الأمراض المزمنة إلا بعد ظهور مضاعفات خطيرة يصعب علاجها.
ويؤكد الكاتب أن الأسر التي تواجه هذه الأمراض تصبح أكثر عرضة للأزمات المالية بسبب ارتفاع تكاليف العلاج. كما يتحمل الشباب نصيبًا كبيرًا من التداعيات، خاصة في ظل استمرار معدلات البطالة المرتفعة في المنطقة. وتفقد كثير من العائلات معيلها الأساسي في سن العمل نتيجة مضاعفات السكري وأمراض القلب، ما يفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
ويرى أن هذا الواقع قد يسهم في زيادة الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة، الأمر الذي يخلق بيئة تستغلها الجماعات المتطرفة والقوى الساعية إلى زعزعة الاستقرار. ومع محدودية الموارد الحكومية وارتفاع الإنفاق على الأمن والصحة، تصبح معالجة الأزمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فرصة للتعاون الإقليمي والدولي
تزداد خطورة الوضع في الدول التي تعاني الحروب والأزمات الإنسانية، حيث تنهار سلاسل الإمداد الصحية ويغادر كثير من العاملين في القطاع الطبي مناطق النزاع. وفي مثل هذه الظروف تتحول الأمراض المزمنة التي يمكن السيطرة عليها إلى تهديدات قاتلة، بينما تتراجع قدرة المجتمعات على التعافي وإعادة البناء.
ورغم حجم التحديات، يبدي الكاتب قدرًا من التفاؤل، مؤكدًا أن المنطقة تمتلك الأدوات اللازمة للحد من الأزمة. فالتقدم في مجالات الذكاء الاصطناعي والصحة العامة يوفر فرصًا جديدة لتحسين التشخيص والوقاية والمتابعة. كما تظهر الدراسات الاقتصادية أن الاستثمار في الحد من التدخين وتحسين الأنظمة الغذائية وتشجيع النشاط البدني يحقق عوائد اقتصادية وصحية كبيرة، إضافة إلى إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح.
ويخلص التقرير إلى أن العقبة الرئيسية لا تكمن في نقص الحلول أو المعرفة العلمية، بل في غياب الإرادة السياسية الكافية للتعامل مع الأمراض القلبية والاستقلابية بالجدية نفسها التي تُعامل بها الأوبئة المعدية أو التهديدات الأمنية. ويدعو إلى بناء تحالف دولي يضم الحكومات وشركات الأدوية والمؤسسات الصحية والمجتمعات المحلية لمواجهة هذا الخطر المتنامي.
وفي ختام المقال، يشدد الكاتب على أن القاتل الأكبر في الشرق الأوسط لا يحمل سلاحًا ولا يظهر في ساحات المعارك، بل ينتشر عبر العادات اليومية وأنماط الحياة غير الصحية. ولذلك ينبغي أن تنظر الحكومات إلى هذه الأمراض باعتبارها أزمة صحية واجتماعية واقتصادية وأمنية في آن واحد، وأن تتحرك سريعًا للحد من آثارها قبل أن تتحول إلى عبء أكبر على مستقبل المنطقة.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/the-middle-easts-greatest-killer-is-not-what-you-think/

